ابو البركات

384

الكتاب المعتبر في الحكمة

اعتبار الموجود منها حيث نجد في الناس العالم والجاهل والقوى والضعيف والشريف والحسيس والخيّر والشرّير والغضوب والخمول والصبور والملول . وبالجملة فإنك تجدهم مختلفي الاخلاق والهمم والقوى . وهذا الاختلاف ان كان له أصل ومرجع إلى غرائز نفوسهم الأصلية وفطرتها الأولية فقد صح اختلافها بالجوهر والماهية وان كان كله اكتسابيا عرضيا كما قال من مثلها بالنار التي يختلف لهيبها في الصورة وفي كيفية الالتهاب وكميته وزمانه لاختلاف المواد التي اشتعلت فيها كقصب وشعر وحطب ودهن وهواء كثيف ولطيف ومتموج وراكد تمثيلا على الأبدان وامتزاجها بمواد الاشتعال على الواردات عليها من خارج بما يحيط بالشعل من هواء يزداد فيه ضوءها وينقص ويسرع فيه التهابها ويبطئ ويسكن ويتموج فلا يلزم لأجله اختلاف النار في ناريتها كذلك لا يلزم اختلاف النفوس في جوهريتها - أقول ولا اتفاقها عند التحقيق فنعتبر ذلك لتحقيقه من موجودات الأحوال المختلفة وأسباب اختلافها . فنقول قد قال القدماء في الأنواع المختلفة من ذوات النفوس ان اختلاف امزاجها واشكالها لاختلاف نفوسها في طبائعها وخواصها فحرارة مزاج الأسد مقصودة لموافقة نفسه في الشجاعة والجرأة ، وبرودة مزاج الأرنب لموافقة نفسه في الضعف والجبن وكذلك لكل منها في خلقة بدنه من الآلات كالأنياب والمخاليب للأسد والأسنان العريضة لراعى العشب والمنقار للأقط الحب والمنسر للجارح فجعلت الامزاج والاشكال في الأبدان مختلفة بحسب اختلاف النفوس في طبائعها وافعالها التي تصدر عنها بحسبها وقالوا في الاشخاص المختلفة مما يرونه نوعا واحدا بخلاف ذلك حيث جعلوا اختلاف النفوس لاختلاف أمزجة الأبدان وأحوالها فالذي مزاج قلبه حار شجاع والذي مزاجه بارد جبان وأمثال ذلك . وكأنهم اعتبروا بأحوال الأبدان في الاستدلال على أحوال النفوس فيما رأوه وعللوا أحوال البدن بالنفوس فيما رأوا فنسبوا اختلاف الأبدان إلى اختلاف النفوس حيث رأوا في النفوس التي اعتقدوا فيها الخلاف ونسبوا اختلاف